محمد بن جرير الطبري
616
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
الأيام وبعض قواد الموفق في الجانب الغربي لما كان يعبر له فانتهز الفاسق الفرصة في انفراد هذا القائد وانقطاعه عن أصحابه ، وامتناع دجلة بعصوف الريح من أن يرام عبورها ، فرمى القائد المقيم في غربي دجلة بجميع جيشه ، وكاثره برجاله ، ولم تجد الشذوات التي كانت تكون مع القائد الموجه سبيلا إلى الوقوف بحيث كانت تقف لحمل الرياح إياها على الحجارة ، وما خاف أصحابها عليها من التكسر ، فقوى الزنج على ذلك القائد وأصحابه ، فازالوهم من موضعهم ، وأدركوا طائفه منهم ، فثبتوا فقتلوا عن آخرهم ، ولجات طائفه إلى الماء ، فتبعهم الزنج ، فأسروا منهم أسارى ، وقتلوا منهم نفرا ، وأفلت أكثرهم ، وأدركوا سفنهم ، فألقوا أنفسهم فيها ، وعبروا إلى المدينة الموفقيه ، فاشتد جزع الناس لما تهيأ للفسقه ، وعظم بذلك اهتمامهم وتأمل أبو احمد فيما كان دبر من النزول في الجانب الغربي من دجلة انه اكدى ، وما لا يؤمن من حيله الفاسق وأصحابه في انتهاز فرصه ، فيوقع بالعسكر بياتا ، أو يجد مساغا إلى شيء مما يكون له فيه متنفس ، لكثرة الادغال في ذلك الموضع وصعوبة المسالك ، وان الزنج على التوغل إلى المواضع الوحشة أقدر ، وهو عليهم أسهل من أصحابه . فانصرف عن رايه في نزول غربي دجلة ، وجعل قصده لهدم سور الفاسق وتوسعه الطرق والمسالك منها لأصحابه ، فامر عند ذلك ان يبدأ بهدم السور مما يلي النهر المعروف بمنكى ، فكان تدبير الخبيث في ذلك توجيه ابنه المعروف بانكلاى وعلي بن ابان وسليمان بن جامع للمنع من ذلك ، كل واحد منهم في نوبته في ذلك اليوم ، فإذا كثر عليهم أصحاب الموفق اجتمعوا جميعا لمدافعه من يأتيهم . فلما رأى الموفق تحاشد الخبثاء وتعاونهم على المنع من الهدم للسور ، أزمع على مباشره ذلك وحضوره ليستدعى به جد أصحابه واجتهادهم ،